فخر الدين الرازي

74

تفسير الرازي

وسادسها : قوله : * ( أمين ) * أي هو * ( أمين ) * على وحي الله ورسالاته ، قد عصمه الله من الخيانة والزلل . * ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُْفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( وما صاحبكم بمجنون ) * واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال : إنك إذا وازنت بين قوله : * ( إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين ) * ( التكوير : 21 , 19 ) وبين قوله : * ( وما صاحبكم بمجنون ) * ظهر التفاوت العظيم : * ( ولقد رآه بالأفق المبين ) * يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع ، وهذا مفسر في سورة النجم * ( وما هو على الغيب بضنين ) * أي وما محمد : ( على الغيب بظنين ) ) * والغيب ههنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله ، قال الفراء : يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلواناً ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نضي البخل وثانيها : قوله : * ( على الغيب ) * ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال : فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا . * ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( وما هو بقول شيطان رجيم ) * كان أهل مكة يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ، فنفى الله ذلك ، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال ، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي ؟ * ( قلنا ) * بينا أن على القول بالصرفة لا تتوقف صحة النبوة على نفي هذا الاحتمال ، فلا جرم يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي . * ( فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( فأين تذهبون ) * وهذا استضلال لهم يقال لتارك الجادة اعتسافاً ، أين تذهب ؟ مثلت حالهم بحالة في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ، والمعنى أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ، قال الفراء : العرب تقول إلى أين تذهب وأين تذهب ، وتقول ذهبت الشام وانطلقت السوق ، واحتج أهل الاعتزال بهذه الآية وجهه ظاهر . * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) * . ثم بين أن القرآن ما هو ، فقال : * ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) * أي هو بيان وهداية للخلق أجمعين .